أصبح جمال يؤمن بأن له التزاما أخلاقيا تجاه الأطفال الفقراء بالمغرب بعد الانتقادات التي وجهت له بورزازات


جمال الدبوز يعرف جيدا معنى أن يكون الإنسان فقيرا أو بئيسا أو معاقا؛ لذلك لم يكن ليبخل على المحتاجين بالمساعدة متى أمكنه ذلك، خاصة الأطفال الفقراء في المغرب. خاصية الاقتسام ومشاركة الآخرين محنتهم تعلمها في البيت على يد أمه، التي يقول عنها جمال: «التضامن يجري في دمها؛ لم تكن تكتفي بتحضير الطعام لشخصين، بل دائما تحضر ما يكفي ويزيد. مساعدة الآخرين خاصية فطرية فيها.». أما الإيثار، فقد عرفه في العمل الجمعوي. «لو لم يمد لك أحد يد المساعدة في لحظة ما، من الصعب أن تكمل الطريق وحدك. تعلمت هذا، يقول جمال، من العمل الجمعوي. لا يمكن النجاح في الحياة بالانعزال... الآن، في مستطاعي مساعدة الآخرين، أريد أن أقوم بذلك متى أمكن.»
رغم ذلك، كان من سوء حظه أن قادته خطواته الأولى في العمل الخيري نحو النفق المسدود. فمنذ سنة 1999 عهد لوكيلة أعماله نادية مورين، بدون تردد، بإدارة الأموال التي خصصها لمساعدة الأطفال الأيتام بالمغرب؛ لكنه فوجئ بأن أمواله ذهبت سدى دون أي أثر للأعمال الخيرية على أرض الواقع بينما كان هو منشغلا بالعمل واللقاءات المهنية بمسرح محمد الخامس بالرباط. أين الأموال، إذن؟ لماذا تختفي بمجرد أن يكون الهدف من صرفها هو الأعمال الخيرية؟.
كان طبيعيا أن توجه الشكوك إلى نادية مورين، التي كانت تتحكم في الميزانية. لكن جمال انكب، شخصيا، على مراجعة حساباته البنكية ليكتشف أن مئات الآلاف من الفرنكات تبخرت خاصة من حساباته في بنك «القرض الصناعي والتجاري»، فتحدث في الأمر مع وكيلة أعماله وأخبرها بنيته في متابعة البنك أمام القضاء بتهمة إجراء اقتطاعات من حسابه دون إذن. لكن الحقيقة هي أن وكيلته هاته، نادية مورين، هي التي قامت بهذه العمليات وبررت ذلك بأنها تمت بإذن من صاحبها.
رغم ذكائها الكبير في عالم المال والأعمال، لم تفطن نادية بورين إلى الخطر القادم. فقد ضيق عليها هذا الوسط المجال لأنها معروفة بصرامتها في التفاوض، واتفق الجميع على إبعادها عنهم قبل أن تدرك أنه لم يعد لها من خيار آخر غير الانفصال عن الدبوز دون أن تتقاضى عمولتها عن تفاوضها لمصلحة جمال في سلسلة «H»، ولا في فيلم Astérix. وقوبل قرار انصرافها بارتياح كبير في الوسط الفني والأعمال، قبل أن يقرر جمال الدبوز مقاضاتها هي وأختها في شهر مارس 2001.
منذ أن وصلته انتقادات أبناء بلده الأصلي في ورزازات، ظل جمال يؤمن بأن له التزاما أخلاقيا وماليا تجاه الأطفال الفقراء في المغرب. وسرعان ما أتيحت له الفرصة للبرهنة على حسن نيته في الدار البيضاء خلال أمسية فنية نظمت من قبل غرفة التجارة البريطانية أحياها هو وكاد المالح. وقبل الموعد ببضع ساعات، زار جمال مقر جمعية «ساعة فرح» الخيرية ليصدم بمشهد خمس أمهات يحضن أطفالهن المرضى، الذين لا تتجاوز أوزانهم بالكاد كيلوغرام واحد. رئيسة الجمعية، ليلى الشريف، كانت شاهدة على هذا المنظر الذي صدم له: «اندهش جمال كثيرا، فتمنى لو كان في إمكانه أن يقدم المساعدة في الحال لهم، قبل أن يقول: «سأحجز طائرة خاصة في الحال لنقل هؤلاء الأطفال إلى باريس للعلاج.» إلا أنني أجبته بأنه لا يمكن نقلهم إلى فرنسا لأنه لدينا في المغرب الوسائل والإمكانات الضرورية لإجراء عمليات لهم وأن جمعيتنا تتكلف بنفقات العملية الجراحية بتعاون مع المستشفيات العمومية بالدار البيضاء.»
وفي مساء نفس اليوم، حكى جمال بفندق حياة رجنسي، حيث كانت كل مائدة محجوزة بمبلغ 300 أورو للشخص، ما رأته عيناه في مقر جمعية «ساعة الفرح»، قبل أن يبدأ تقديم عرضه الفكاهي، الذي اختتم بحفل للبيع بالمزاد العلني استطاع أن يجمع ما لا يقل عن 100 ألف أورو.
يبقى جمال الدبوز استثنائيا في كرمه وسخائه تجاه المحتاجين، وهو في ذلك يختلف عن الكثير من الذين لا يتعدى مستوى السخاء عندهم عتبة الزيارات للجمعيات المعنية بالعمل الخيري. تقول ليلى الشريف في هذا الباب: «لقد استقبلنا العديد من الشخصيات المعروفة (محمد علي، جاك أتالي، صوفي مارسو، اسماعين، جون بول بيلموندو، إلخ)، لكن لا أحد منهم انخرط في العمل الخيري بنفس الحرارة التي أبداها جمال. باستثناء كاد المالح، الذي ولد في الدار البيضاء، والذي يقدم الكثير للمغرب، جل الشخصيات المشهورة تأتي إلى هنا في زيارة سريعة، ثم تنصرف. لا بل إنني أضطر، في بعض الأحيان، إلى رفض بعض الشخصيات الملحاحة في طلباتها. فقد اتصلت بي ذات يوم مليتا توسكان دو بلانتيي، زوجة المنتج السينمائي، واقترحت علي أن أستقدم ناتالي باي وإمانويل بيار؛ لكن كان علي أن أتكفل ببطاقة سفرهما ووضع سيارة ليموزين رهن إشارتهما. فألغيت الفكرة وفسرت ذلك بكوننا لا نملك الميزانية الكافية. وعندما اقترحت علي مخاطبتي أنها ستحاول الاتصال بالقصر للحصول على الامتيازات المذكورة، تملكني الغضب...».
الوضع الاجتماعي في المغرب يقلق جمال إلى حد بعيد، خاصة الوضع الذي يعاني منه الشباب. شبابٌ كان من الممكن أن يكون جزءا منه، ففضل الاعتناء، خاصة، بأطفال بلده الأصل: «قضية الأطفال بالنسبة لي أساسية. وفضلا عن أنني أحب الأطفال، أجد أن الأطفال المغاربة متروكون لمصيرهم على المستوى الدراسي كما على المستوى الصحي. مستقبل البلاد يتجلى في انفتاح أبنائه على الخارج. لدينا عباقرة في المغرب قادرون على قرصنة أكبر الأنظمة المعلوماتية في العالم... لماذا لا تستغل هذه الطاقة. أعتقد أن الأطفال المغاربة من أكثر الأطفال خصوبة وعطاء، لكنهم لا يجدون التقدير الذي يستحقونه».

جمال أصبح يفرض المبلغ الذي يريد مقابل أدائه في كل عمل فكاهي أو سينمائي


بعد نهاية تصوير فيلم Astérix وعد جمال التقنيين المغاربة بأنه سيستثمر شخصيا في السينما المغربية. أما الفيلم، الذي خرج إلى القاعات في 30 يناير 2002 وعرض في 945 قاعة عرض سينمائية فرنسية فقد شوهد 577 488 14 مرة، ليكون بذلك هو ثاني فيلم يحقق هذا الرقم في تاريخ السينما الفرنسية بعد فيلم « La Grande Vadrouille»، الذي شوهد 17 مليون مرة.
وتطبيقا للعقد الذي يجمعه بالمنتج، حصل الدبوز على 2.120 مليون أورو، وهو ما جعل منه الممثل الفرنسي الأكثر دخلا على الإطلاق في سنة 2002؛ ويعود الفضل في ذلك، خاصة، إلى البند الذي ينص على أن يدفع المنتج لجمال ما قيمته 000 274 أورو، فضلا عن 0,14 أورو عن كل مشاهدة إذا تعدى عدد مشاهدات الفيلم في قاعات العرض 8 ملايين مرة.
لقد كان هذا البند مربحا بالنسبة لجمال على اعتبار أن المنتج كلود بيري والممثلين الرئيسيين، دبارديو وكريستيان كلافيي، لم يكونا يتوقعان كل هذا النجاح للفيلم، علما بأن دبارديو حصل على 1.4 مليون أورو، وكلافيي على 1.65 مليون أورو.
هذه النتائج الاستثنائية التي حققها الفيلم جعلت جمال يتصدر غلاف الملحق الاقتصادي الأسبوعي لصحيفة «لوفيغارو».
أصبح جمال يفرض المبلغ الذي يريد مقابل أدائه في كل عمل فكاهي أو سينمائي. لم يعد يقبل بأقل من مليون أورو عن كل فيلم. وعلى هامش العروض التي صارت تتقاطر عليه من كل جانب، استمرت مداخيل جمال غير منقطعة بفضل العقد الإشهاري الذي وقعه مع شركة أورانجينا، التي دشنت حملة إعلانية تريد أن تجدد بها صورتها التي تقادمت في عيون المستهلكين.
لقد أصبح جمال الدبوز رجل أعمال حقيقي بفضل أربعة مصادر مالية حقيقية هي: الإعلانات الإشهارية التي أنجزها في المغرب (اتصالات المغرب) وفرنسا، ومبيعات تسجيلات الـ «في آش إس» والـ «دي في دي» ومداخيل فيلم Astérix et Obélix, Mission Cléopâtre» والدبلجة التي قام بها لاستوديوهات ديزني (فيلم الدينصور).
أما المال، فلا يخجل من كسبه، ولا من عرضه ولا من صرفه ولو بشكل مبالغ فيه انتقاما من الزمن الذي كان فيه معدما، فقيرا. يقول جمال: «تمنيت كل حياتي أن أملك ما أملكه اليوم. هرولت طيلة حياتي لأفعل ما أفعله اليوم، لأصعد إلى الخشبة، ولتنجح أعمالي، ولأقود أجمل السيارات، ولأستقبل مثل الأمراء في العلب الليلية ولأصطحب معي إليها 15 صديقا، ولأرتاد المطاعم الراقية. اليوم يريدونني أن أختبئ؟ لا يمكن. أنا أنظر إلى الناس في عيونهم، وليس لي أي مشكل مع المال، الذي أحصل عليه، والذي أعيش به.».
لا يكترث جمال لقيمة المال؛ حتى عندما كان لا يتقاضى إلا 700 2 فرنك في الشهر بكوليج غاغارين، كان يتجه رأسا لشراء فردتي حذاء «نايك» مقابل أكثر من 000 1 فرنك.
اليوم يفخر الدبوز بما حققه من نجاح، وبما امتلكه من أشياء قيمة كان يحلم بها... «حلمت دائما بأن أركب سيارة فيراري. وعندما حققت حلمي، أخيرا، أجلست جدي إلى جانبي في السيارة من فرط فخري بما أنا فيه. وعندما رأى الحصان، رمز فيراري كما هو الأسد رمز طراز بوجو، قال لي: «أي سيارة بوجو هاته؟» قلت له: «إنها سيارة فيراري.» فأجابني: «هي فيراري، موديل بوجو، إذن !».»
النجاح الذي حققه جمال أخل إلى حد ما بالتوازن القائم بالبيت والمبني على سلطة الأب. بل إن جمال نفسه شعر بنوع من الذنب تجاه كونه صادر من والديه، فجأة، الإيقاع الذي كانت تسير عليه حياتهما البسيطة. يستعيد جمال بعض تفاصيل هذا التحول حين يقول: «عندما تسلمت 5 ملايين فرنك عن دوري في فيلم Astérix، فكرت مباشرة في أبي الذي عمل في شركة كوماتيك بممرات الميترو مقابل 000 5 فرنك في الشهر...».
أما الأم فاطمة، فهي سعيدة بنجاح ابنها، وإن كانت لم تستطع إخفاء تضايقها عندما دعاها ابنها إلى العشاء في أحد أفخر المطاعم أو عندما ملأ لها عربة التبضع بأرقى المنتوجات من أحد أكبر الأسواق الممتازة. لكن ما يقلقها هو أن ترى ابنها ينفق الكثير من الأموال في أشياء تافهة وسطحية. لكنها تصبح غاية في السرور عندما يقدم جمال بطاقات سفر للعائلة كلها لتسافر إلى المغرب حيث تلتقي بجذورها العائلية.
وأما الوالد أحمد، فقد أقعده المرض على العودة إلى ممرات الميترو، فأوصى به أحد أكبر الأطباء المختصين في الأعصاب بالدار البيضاء. إلا أن شهرة جمال ونجاحه بدآ يغيران من طبيعة علاقة السلطة بالبيت؛ إذ لم يعد الأب احمد صاحب الحل والعقد كما في الماضي؛ بيد أن الأب صار يستفيد من حياة الترف التي يعيشها ابنه.
الأخوان مومو وكريم كذلك حققا بعضا من أحلامهما حين اصطحبهما جمال، في رحلة العمر، إلى أمريكا؛ إلى كاليفورنيا حيث لوس أنجلس وهوليود واستوديوهات السينما وسيارات كادياك وشاطئ ماليبو... أي كل ما شكل حلمهما في الحياة.
هناك في بلد الأحلام الكبيرة، التقى جمال بصديقه، سنوب دوغ، مغني الراب الأفروأمريكي؛ بينما تتابع مسلسل الأحلام باللقاء مع المخرج سبايك لي، الذي اقترح على جمال المشاركة في فيلمه القادم. لم يكن جمال ليرفض، لأن الفكرة ستفتح له، ربما، عوالم أخرى. فالمخرج ليس بالنكرة في عالم هوليود. غير أن ثمة عائقا حال دون جمال والفوز بدور مهم. فالفكاهي المغربي الفرنسي لا يتقن اللغة الإنجليزية؛ لذلك اكتفى في الأخير بدور ثانوي في فيلم «She hate me»، وهو دور حارس عمارة.
اتفق المخرج الأمريكي وجمال أيضا على أن يوقع الأول «دي في دي» العمل الفكاهي، وان مان شو، الذي كان ينوي إنجازه رفقة صديقه قادر عون، إلا أن الاتفاق ظل كلاما ليس إلا.

جمال يعود إلى بيته مجروحا بعد أن نسف بعض أبناء الضاحية انطلاقة جولته الفنية


على إثر النجاح الذي كلل الأمسية الكبيرة التي نظمت بمناسبة افتتاح مسرح «دكليك تياتر»، كان جمال وعد بمنح مدينته طراب شرف بدء أول جولة فنية كبيرة له في مساره المهني. فتقرر، إذن، أن يبدأ الجولة يوم فاتح فبراير 2000 في حي» ميريزيي»، وتشمل 60 عرضا لمدة 3 أشهر يزور خلالها مدن مرسيليا وليون وتولوز وكليمون فران وليل وستراسبورغ وغرونوبل، كما تشمل الجولة مدينتي لييج وبروكسيل في بلجيكا وجنيف ولوزان في سويسرا... إلخ.
ومن أجل فسح المجال لأكبر عدد ممكن من أبناء الأحياء الشعبية ليتمكنوا من مشاهدة العرض خفض جمال ثمن تذكرة الدخول ليظل في متناول الجميع. تقرر تقديم العرض في قاعة «لاميريز»؛ وهي القاعة نفسها التي تعرض فيها الكوميدي الناشئ لإهانة من قبل الجمهور قبل خمس سنوات وأقسم أن يعود إليها ليقدم فيها عرضا كبيرا حين يصبح نجما.
جلس في مقدمة الحاضرين عدد من الشخصيات القريبة من الكوميدي المعروف منهم والدته فاطمة ووالده أحمد وإخوانه وأخواته وأساتذته السابقون في كوليج غوستاف كوربي وثانوية هنري ماتيس والعمدة السابق لمدينة طراب، برنار هوغو، والعديد من المسؤولين الجمعويين والأصدقاء وزملاؤه في المسرح الارتجالي.
امتلأت القاعة عن آخرها لأن أغلب الحاضرين جاؤوا ليشاهدوا عرض ابن المدينة الذي برهن على إمكانية النجاح رغم الانتماء إلى الوسط الشعبي، المهاجر، الفقير...
فجأة سارت الأمور على غير ما يرام. فبعد أن انطلق العرض بشكل عادي، تعالت أصوات من عمق القاعة للتشويش على جمال وعرقلة عرضه. إلا أن جمال حافظ على هدوئه لأنه يعرف طبيعة هؤلاء الذين ألفوا خلق البلبلة في مثل هذه المناسبات العامة. وللتمكن من احتواء الوضع، حاول فتح نقاش مع الجمهور من باب الاحترام وفرض الاحترام على الجمهور إلا أن الجمهور بادل مبادرة جمال بمزيد من الصفير والسباب والشتم.
كانوا حوالي 60 شابا لا تتجاوز أعمارهم 18 سنة خلقوا فوضى لم تكن تلقائية، بل يعتقد أنها كانت بتوصية من طرف خارجي لم يكن يريد النجاح لجمال في مساره المهني. طلب بقية الحضور من الفوضويين الصمت حتى يتسنى لهم متابعة العرض، إلا أن الأخيرين ظلوا على حالهم، فطلب جمال من أخيه كريم، الذي كان مسؤولا عن التسيير التقني العام للعرض، أن يتدخل لدى تقني الإنارة ليوقف برنامج الإنارة، ليتوقف العرض لبعض الوقت في محاولة لثني الفوضويين عن الكف عن عملهم قبل أن يتدخل جمال مرة أخرى ليطلب الصمت.
هدأت القاعة لبعض الوقت، إلا أنه سرعان ما عاد الضجيج كما كان وعاد الشبان المشاغبون للنداء على بعضهم البعض بصوت مرتفع عبر الهاتف المحمول وسط القاعة؛ الأمر الذي أعاق جمال وحال دون إسماع صوته إلى بقية الحاضرين. بعد قليل، عاد الهدوء، واستأنف جمال عرضه؛ غير أنه سرعان ما عاد المشاغبون إلى التشابك والفوضى من جديد.
غضب جمال وقرر النزول من فوق الخشبة والاتجاه رأسا نحو الجماعات المشاغبة في عمق القاعة ليقف أمامهم وجها لوجه، ويتفحص وجوههم. وفي خلال ذلك، تعرف على بعضهم: «هذا أنت، إذن... أنت الآخر هنا...أعرف من يحرككم... لكنني لن أجاريكم في ما تريدون، يجب علي أن أقدم عرضي... هنالك أشخاص ينتظرون لأنهم دفعوا ثمن التذكرة...».
لكن، عندما عاد جمال إلى الخشبة، احتدت الفوضى، وتعالت الشتائم هذه المرة في حق أفراد عائلته. الكثير من الفوضويين كان يشتم :» يا ابن الق...»، إلخ.
بدا، إذن، أنه لا يمكن الاستمرار في تقديم العرض بعد أن بدأ تقنيو الصوت والإضاءة، الذين كانوا في عمق القاعة غير بعيد عن مكان المشاغبين، يستعدون لتفكيك أجهزتهم ومغادرة القاعة. فاضطر جمال إلى استسراع نهاية عرضه ليضع حدا لهذه الإهانة التي تعرض لها أمام أفراد عائلته ومدعويه والشخصيات المهمة التي جاءت لتشاهد انطلاقة جولته الفنية.
عاد جمال إلى بيته مجروحا، مهانا بينما أخذ أفراد أسرته يتدبرون عبارات المواساة والتضامن من قبيل أن النجاح يخلق الأعداء والغيورين، وأن هنالك من أجيال الهجرة من يريد أن يبقى حبيس الأحياء البئيسة بعيدا عن الاندماج والطموح...
بين جمال ومدينة طراب شيء ما تكسر إلى الأبد. لن تصبح الأشياء كما كانت بعد الذي جرى. أبدا، لم يتصور أن النجاح سيجر عليه الغيرة العنيفة. لكن منذ أن انتقل جمال، رفقة صديقته البرتغالية باولا، إلى حي راق انفصل تماما عن الحياة اليومية في مدينة طراب. فعندما ينفصل العربي عن أصله الشعبي البئيس وينتقل إلى مجال آخر ليس من ثوبه يكون قد كشف عن تميزه الاجتماعي أمام الجميع، وخان وعده بأن لن يفارق أبدا حيه وواقعه الأصليين. وهو وعد يقطعه أبناء المهاجرين على أنفسهم من حيث لا يدرون.
بعد مرور شهر عن هذا الحادث، قرر المجلس البلدي أن يعين جمال الدبوز «مواطنا شرفيا للمدينة»، إلا أن الأخير تخلف عن الحضور إلى مقر البلدية لاستلام الميدالية الذهبية التي كانت تنتظره. وربما نتيجة لهذا «الاختبار» غابت صورة جمال الدبوز عن بهو قاعة العروض «لاميريز» بينما علقت على جدارها صور لستة وسبعين نجما قدموا عروضا فنية بها من قبيل فضيل، وإيلي سمون، ورونو، وجولييت غريكو، وجون لوي ترينتينيان...

جمال يتساءل عن مصير الأموال التي كان يساهم بها في دعم الأعمال الإنسانية بالمغرب


رغم تعلقه الكبير بالمسرح الارتجالي، ظل جمال الدبوز يتطلع للتمثيل السينمائي، لكنه لم يكن ليقبل بأي عمل بعدما أصبح نجما معروفا في عالم الفرجة الفنية. وعندما عرض عليه ألان شباط، الوجه السينمائي المعروف، دورا في فيلم «Astérix et Obélix, Mission Cléopâtre» لم يتردد في القبول، إلا أنه اعتقد في البداية أنه سيُمنح دورا رئيسيا قبل أن يفسر له أفراد فريق الإنتاج، بما يتطلبه الموقف من لباقة، أن الدور الرئيسي، أستريكس، ممنوح لغيره اعتبارا لأن الفيلم الجديد ما هو إلا جزءا ثانيا لفيلم «Astérix et Obélix contre César»، الذي أخرجه كلود زيدي سنة 1999 والذي لا يمكن أن يزاح منه الممثل الكبير جيرار دوبارديو وكريستيان كلافيي.
عُرض، إذن، على جمال أن يتقمص شخصية نوميروبيس، المهندس المعماري الذي أنجز قصرا رائعا للقيصر بطلب من كليوباترا، وتطلب الأمر مراجعة الدور، الذي كان ثالثا في جنيريك الفيلم، على مقاس جمال الدبوز. لكن جمال راهن على أشياء أخرى يتضمنها العقد مع المنتج.
جاء في العقد أنه «تم الاتفاق بين شركة رين برودوكسيون، الممثلة من طرف رئيسها المدير العام كلود بيري، وجمال الدبوز، على أجر خام قدره 000 350 3 فرنك يؤدى على عدة دفعات: 000 335 فرنك عند التوقيع، 000 680 2 موزعة على نهاية كل أسبوع من التصوير، 000 335 فرنك في نهاية العمل».
فضلا عن هذا الأجر، ينص العقد على أن يتقاضى جمال مبلغا مقدما عن حقوق المؤلف قدره 000 220 2 فرنك من المداخيل الصافية للمنتج، ويوزع المبلغ المالي على خمس دفعات، أي 000 220 فرنك عند توقيع العقد، ثم 000 495 فرنك منذ اليوم الأول من التصوير إلى النهاية.
كما يتضمن العقد بندا آخر يعتبر مهما في عيني جمال، وهو المتعلق بمكافأة الجمهور. ينص العقد على أنه إذا بلغ عدد مشاهدات الفيلم 8 ملايين، يصبح من حق جمال أن يحصل على 000 800 1 فرنك دفعة واحدة، و90 سنتيما عن كل دخول إضافي لمشاهدة الفيلم.
يتميز العقد أيضا ببنود خاصة منها أنه في حال تجاوز التصوير 55 يوما المحددة في العقد، يدفع المنتج للدبوز مبلغ 000 80 فرنك عن كل يوم تأخر تؤدى له يوميا؛ وأن المنتج يتحمل جميع تنقلات الممثل والمبيت في فندق من الدرجة الأولى يختاره الممثل باتفاق مع المنتج. كما يلتزم المنتج بتشغيل الأخ الأصغر لجمال (مومو) كمساعد وسائق خاص خلال فترة التصوير، وبأن يكتب اسم جمال الدبوز، ثالثا (بعد اسمي البطلين الأولين) فوق عنوان الفيلم، سواء في الجنيريك أوفي جميع الملصقات والإعلانات الإشهارية بشكل يضمن بروزه. لكن، لما كانت البطلة الأولى مونيكا بيلوتشي (كليوباترا) معروفة، خاصة في إيطاليا، سيذكر اسم الدبوز رابعا على نفس الخط الذي كتب عليه اسم مونيكا.
وقع جمال الدبوز العقد في 19 يونيو 2000 ليبدأ تصوير المشاهد الأولى الخاصة بالقرصنة في الاستوديوهات البحرية بجزيرة مالطة، قبل أن ينتقل فريق التصوير إلى جنوب المغرب، ليستقر بمدينة ورزازات لمدة 15 أسبوعا.
لم يكن الاقتصاد المحلي ليستوعب كل الضوضاء الجديدة التي أحدثها قدوم فريق التصوير الضخم، الذي كان بمثابة أرمادا حقيقية نادرا ما تشهدها المنطقة. فميزانية الفيلم بلغت 50 مليون أورو، بينما شارك فيه 2000 كومبارس، و1500 يمامة، و72 ممثلا، و41 حصانا، و23 جملا، و19 قطا، و17 ضفدعا، و12 خنزيرا بريا و3حمامات و3 تماسيح، وحمار واحد وحمَل... والعديد من العقارب والأفاعي، التي لم تكن مبرمجة في الكاستينغ بل اقتحمت استوديوهات التصوير لأن المنطقة قاحلة شأنها في ذلك شأن العواصف الرملية والتغير الكبير في درجات الحرارة التي حولت التصوير إلى معاناة حقيقية.
أُعجب جمال بكفاءة العاملين والتقنيين المغاربة الذين أسهموا في هذا العمل الكبير؛ فقد راقه أن يرى «المساعدين الأولين يديرون عمل 000 2 كومبارس بثلاث لغات مختلفة بينما جل المنتجين الأجانب، يقول جمال، يأتون إلى هناك كما لو كانوا مستعمرين، يستحوذون على كل شيء، لا يفوضون أي عمل للمحليين ثم يغادرون المكان مخلفين وراءهم أزبالهم على الرمال».
أدرك جمال خلال هذه التجربة المهنية العالية للمغاربة في تقنيات التصوير السينمائي: «ليس لدينا النعال الجلدية فقط، لدينا، أيضا، أناس مهنيون وكفاءات عالية؛ يحتاجون فقط للبنية التحتية الملائمة»، يعلق جمال.
كان الفنانون يقيمون في منازل حول بحيرة حيث يمكن ممارسة التجيت سكي، بينما كان جمال يملك طائرة خاصة استغلها لاستقدام عائلته إلى مكان التصوير. ففضلا عن أخيه مومو الذي استطاع أن يحصل على دور بائع التذكارات، دعا جمال أخويه كريم ورشيد وأختيه حياة ونوال وأبيه وأمه، وحتى أصدقائه.
بين تصوير المشهد والآخر، كان جمال يستغل فترات التوقف ليجس مقدار شعبيته عند المغاربة بين التقنيين المحليين. وفيما كان يتوقع أن لا يسمع إلا المديح فوجئ الفكاهي ذو الأصل المغربي بملاحظات المغاربة حوله وهم يعاتبونه عن كونه لم يفعل شيئا لمصلحة تطوير السينما المغربية، وبأنه جعل سمعته في خدمة شركة اتصالات المغرب الغنية، وبأنه يكتفي بأن يظهر في الحوارات الصحافية كشخصية تقوم بالأعمال الإنسانية... اندهش جمال لهذه الملاحظات رغم أنه عهد لمديرة أعماله نادية مورين بالإشراف على المنح التي يقدمها لجمعيات الأعمال الخيرية بالمغرب...
لم يكن جمال ليتحمل نظرات المغاربة إليه وهو ينزل من طائرته الخاصة كما لو كان أميرا. لم يرقه أن يشعر أبناء وطنه الأصل بأن جمال خذلهم لاسيما أنه لم يبخل أبدا على أي عمل لمصلحة أبناء أرض أبيه. فطرح السؤال على نفسه: أين ذهبت الأموال التي كان يسهم بها في دعم الأعمال الإنسانية في المغرب؟