
على إثر النجاح الذي كلل الأمسية الكبيرة التي نظمت بمناسبة افتتاح مسرح «دكليك تياتر»، كان جمال وعد بمنح مدينته طراب شرف بدء أول جولة فنية كبيرة له في مساره المهني. فتقرر، إذن، أن يبدأ الجولة يوم فاتح فبراير 2000 في حي» ميريزيي»، وتشمل 60 عرضا لمدة 3 أشهر يزور خلالها مدن مرسيليا وليون وتولوز وكليمون فران وليل وستراسبورغ وغرونوبل، كما تشمل الجولة مدينتي لييج وبروكسيل في بلجيكا وجنيف ولوزان في سويسرا... إلخ.
ومن أجل فسح المجال لأكبر عدد ممكن من أبناء الأحياء الشعبية ليتمكنوا من مشاهدة العرض خفض جمال ثمن تذكرة الدخول ليظل في متناول الجميع. تقرر تقديم العرض في قاعة «لاميريز»؛ وهي القاعة نفسها التي تعرض فيها الكوميدي الناشئ لإهانة من قبل الجمهور قبل خمس سنوات وأقسم أن يعود إليها ليقدم فيها عرضا كبيرا حين يصبح نجما.
جلس في مقدمة الحاضرين عدد من الشخصيات القريبة من الكوميدي المعروف منهم والدته فاطمة ووالده أحمد وإخوانه وأخواته وأساتذته السابقون في كوليج غوستاف كوربي وثانوية هنري ماتيس والعمدة السابق لمدينة طراب، برنار هوغو، والعديد من المسؤولين الجمعويين والأصدقاء وزملاؤه في المسرح الارتجالي.
امتلأت القاعة عن آخرها لأن أغلب الحاضرين جاؤوا ليشاهدوا عرض ابن المدينة الذي برهن على إمكانية النجاح رغم الانتماء إلى الوسط الشعبي، المهاجر، الفقير...
فجأة سارت الأمور على غير ما يرام. فبعد أن انطلق العرض بشكل عادي، تعالت أصوات من عمق القاعة للتشويش على جمال وعرقلة عرضه. إلا أن جمال حافظ على هدوئه لأنه يعرف طبيعة هؤلاء الذين ألفوا خلق البلبلة في مثل هذه المناسبات العامة. وللتمكن من احتواء الوضع، حاول فتح نقاش مع الجمهور من باب الاحترام وفرض الاحترام على الجمهور إلا أن الجمهور بادل مبادرة جمال بمزيد من الصفير والسباب والشتم.
كانوا حوالي 60 شابا لا تتجاوز أعمارهم 18 سنة خلقوا فوضى لم تكن تلقائية، بل يعتقد أنها كانت بتوصية من طرف خارجي لم يكن يريد النجاح لجمال في مساره المهني. طلب بقية الحضور من الفوضويين الصمت حتى يتسنى لهم متابعة العرض، إلا أن الأخيرين ظلوا على حالهم، فطلب جمال من أخيه كريم، الذي كان مسؤولا عن التسيير التقني العام للعرض، أن يتدخل لدى تقني الإنارة ليوقف برنامج الإنارة، ليتوقف العرض لبعض الوقت في محاولة لثني الفوضويين عن الكف عن عملهم قبل أن يتدخل جمال مرة أخرى ليطلب الصمت.
هدأت القاعة لبعض الوقت، إلا أنه سرعان ما عاد الضجيج كما كان وعاد الشبان المشاغبون للنداء على بعضهم البعض بصوت مرتفع عبر الهاتف المحمول وسط القاعة؛ الأمر الذي أعاق جمال وحال دون إسماع صوته إلى بقية الحاضرين. بعد قليل، عاد الهدوء، واستأنف جمال عرضه؛ غير أنه سرعان ما عاد المشاغبون إلى التشابك والفوضى من جديد.
غضب جمال وقرر النزول من فوق الخشبة والاتجاه رأسا نحو الجماعات المشاغبة في عمق القاعة ليقف أمامهم وجها لوجه، ويتفحص وجوههم. وفي خلال ذلك، تعرف على بعضهم: «هذا أنت، إذن... أنت الآخر هنا...أعرف من يحرككم... لكنني لن أجاريكم في ما تريدون، يجب علي أن أقدم عرضي... هنالك أشخاص ينتظرون لأنهم دفعوا ثمن التذكرة...».
لكن، عندما عاد جمال إلى الخشبة، احتدت الفوضى، وتعالت الشتائم هذه المرة في حق أفراد عائلته. الكثير من الفوضويين كان يشتم :» يا ابن الق...»، إلخ.
بدا، إذن، أنه لا يمكن الاستمرار في تقديم العرض بعد أن بدأ تقنيو الصوت والإضاءة، الذين كانوا في عمق القاعة غير بعيد عن مكان المشاغبين، يستعدون لتفكيك أجهزتهم ومغادرة القاعة. فاضطر جمال إلى استسراع نهاية عرضه ليضع حدا لهذه الإهانة التي تعرض لها أمام أفراد عائلته ومدعويه والشخصيات المهمة التي جاءت لتشاهد انطلاقة جولته الفنية.
عاد جمال إلى بيته مجروحا، مهانا بينما أخذ أفراد أسرته يتدبرون عبارات المواساة والتضامن من قبيل أن النجاح يخلق الأعداء والغيورين، وأن هنالك من أجيال الهجرة من يريد أن يبقى حبيس الأحياء البئيسة بعيدا عن الاندماج والطموح...
بين جمال ومدينة طراب شيء ما تكسر إلى الأبد. لن تصبح الأشياء كما كانت بعد الذي جرى. أبدا، لم يتصور أن النجاح سيجر عليه الغيرة العنيفة. لكن منذ أن انتقل جمال، رفقة صديقته البرتغالية باولا، إلى حي راق انفصل تماما عن الحياة اليومية في مدينة طراب. فعندما ينفصل العربي عن أصله الشعبي البئيس وينتقل إلى مجال آخر ليس من ثوبه يكون قد كشف عن تميزه الاجتماعي أمام الجميع، وخان وعده بأن لن يفارق أبدا حيه وواقعه الأصليين. وهو وعد يقطعه أبناء المهاجرين على أنفسهم من حيث لا يدرون.
بعد مرور شهر عن هذا الحادث، قرر المجلس البلدي أن يعين جمال الدبوز «مواطنا شرفيا للمدينة»، إلا أن الأخير تخلف عن الحضور إلى مقر البلدية لاستلام الميدالية الذهبية التي كانت تنتظره. وربما نتيجة لهذا «الاختبار» غابت صورة جمال الدبوز عن بهو قاعة العروض «لاميريز» بينما علقت على جدارها صور لستة وسبعين نجما قدموا عروضا فنية بها من قبيل فضيل، وإيلي سمون، ورونو، وجولييت غريكو، وجون لوي ترينتينيان...
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire